محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
945
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ومن العبر في القصّة طلب الآية على ملك طالوت حتّى قال نبيّهم : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ، ويا عجبا كلّ العجب إذا أخبر الصادق بأنّه ملك ( 388 آ ) وأنّ اللّه بعثه ملكا فأيّ حاجة بعد ذلك إلى معجزة وآية ؟ ! وعلى مثال ذلك إذا أخبر اللّه : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ؛ فلم يسع لأحد أن ينظر إلى مادّته وصورته ، فيقول : بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ولا أن ينظر إلى أفعاله وأحواله ، فيقول : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ولا أن يطلب آية ومعجزة منه ، إذا المخبر صادق ؛ وكذلك إذا أخبر آدم - عليه السلام - بوصيّة شيث ، وأخبر شيث بنبوّة إدريس ، وأخبر إدريس بنبوّة نوح ، ونصّ نوح على سام وأخبر بنبوّة هود وصالح وأخبروا بنبوّة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وبنبوّة موسى وعيسى ومحمّد المصطفى - صلوات اللّه عليهم - صادقا عن صادق ؛ ولكلّ نبيّ عصا ، أي كلام محقّق وكلمة صادقة تقدّرت على حدّ قدر النبيّ الثاني ، لا يزيد عليه ولا ينقص ، ودهن زيت هو علم القدس ينش في قرن التنزيل ؛ فينصبّ على رأس الثاني ، فأشرب فيه فما يبقى معه ريب أنّه صادق ، فكيف يحتاج إلى معجزة وكيف يدفع إلى إظهار بيّنة ؟ ! ومن العبر في القصّة حال التابوت كيف خرج ؟ وبأيّ سبب خرج ؟ وكيف أتى ؟ ولأيّ سبب أتى ؟ إنّما أخرج من أرض بني إسرائيل لذنب عظيم أصابوه ، وإنّما أتى إلى أرضهم من غير سبب منهم لخير وبركة قدّر لهم ، لا صنع لهم في إحسان العود ولا حجّة لهم في إساءة الإخراج . ومن العبر في التابوت أنّ رأس الهرّة كان حاكما لهم فيما اختلفوا فيه ، وأمارة لهم على الظفر والنصرة ، وما كان النبيّ في زمانهم حاكما عندهم حتّى لم يرضوا بحكمه ، وما كان حضوره أمارة لهم على الظفر والنصرة ؛ فيا عجبا من عبدة العجل وعبدة الهرّة كيف صدّقوا بالجمادات تصوّت وما صدقوا بالأحياء الناطقين والهداة المهديّين يكلّمونهم ويهدونهم سبيل الرشاد ؟ ! ذاك نبيّهم إشمويل ما حكّموه بل حكّموا رأس الهرّة ، وما تبرّكوا به ، بل تبرّكوا بما ترك آل موسى وآل هارون ، أعرضوا عن الحيّ القائم فيهم ، وأقبلوا على أعجوبة غير معتادة لهم . ومن العبر في التابوت أنّ كلمة لا إله إلّا اللّه هي تابوت هذه الأمّة ، وهي آية رجوع